الحرب في الرقة: تقرير موجز
أدت الحملة العسكرية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الرامية لطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من مدينة الرقة السورية إلى سقوط الآلاف من المدنيين بين قتيل وجريح؛ وخلف القصف المستمر بلا هوادة طيلة أربعة أشهر دماراً واسعاً بالمدينة، وحوّل منازلها ومنشآتها ومرافقها الأساسية إلى أنقاض.
ووجد الأهالي أنفسهم بين شقي رحى القتال الدائر بين الطرفين في مدينة صارت أشبه بمصيدة الموت؛ إذ تعذر عليهم الفرار بسبب نيران قناصة تنظيم "الدولة الإسلامية" وألغامهم الأرضية، بينما راحت نيران القصف الجوي والمدفعي المتهور من جانب قوات التحالف تحصد أرواحهم في بيوتهم.
ألم يكن الهدف هو تحرير المدنيين؟ كان من المفترض أن ينقذونا، وينقذوا أطفالنا.
فقدت كل أحبائي؛ أطفالي الأربعة، زوجي، أمي، أختي – أسرتي كلها
كانت الطائرات تقصف المدينة، والصواريخ تنهمر عليها طوال 24 ساعة يومياً، وكان قناصة تنظيم "الدولة الإسلامية" بالمرصاد في كل مكان؛ لم نكن قادرين حتى على التنفس.
آية محمد جاسم، إحدى الناجيات من القصف الجوي لقوات التحالف الذي أودى بحياة 32 شخصاً على الأقل

خلال الفترة بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول 2017، شنت قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، وتضم المملكة المتحدة وفرنسا وغيرها، الآلاف من الضربات الجوية والمدفعية دعماً لقوات سوريا الديمقراطية، وهي ميليشيات محلية ذات قيادة كردية تخوض قتالاً برياً مع قوات تنظيم "الدولة الإسلامية".

وحتى ذلك الحين، ظلت الرقة خاضعة لحكم تنظيم الدولة الإسلامية لما يقرب من أربع سنوات، حيث ارتكب مقاتلو التنظيم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقاموا بتعذيب أو قتل كل من يجرؤ على مخالفتهم.

ويزعم التحالف بقيادة الولايات المتحدة أنه اتخذ كافة الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين والحفاظ على أرواحهم أثناء قتاله مع تنظيم الدولة الإسلامية.

غير أن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الواقع؛ فقد قامت منظمة العفو الدولية بتحقيقات مستفيضة على أرض الواقع في الرقة، وشاركت منظمة "أيروورز" Airwars في عمليات المراقبة والتحليل عن بعد للوقوف على آثار الحملة العسكرية على المدنيين؛ وفي هذه المنصة، نستكشف الأدلة والقصص التي روتها عائلات كثيرة ممن كابدوا ويلات الحرب الدائرة في الرقة ولقوا حتفهم أثناءها.

الزعم: انعدام الخسائر البشرية
"إنني أتحدى أياً كان أن يجد في تاريخ الحروب حملة جوية أدق من حملة التحالف ... إن الهدف الذي ينشده التحالف دائماً هو انعدام الخسائر البشرية"
قائد قوات التحالف الجنرال ستيفن ج. تاونسند
الواقع: فناء عائلات بأكملها
أدت الغارات الجوية والقصف المدفعي إلى سقوط الآلاف من المدنيين بين قتيل وجريح؛ كما أسفرت عن تدمير عدد من المباني برمتها، وإزهاق أرواح عائلات بأكملها.
ففي حادثة واحدة مفجعة، لقيت أربع عائلات حتفها – من بينها عائلة آية ضهيبة التي أوردنا شهادتها أعلاه؛ كانوا يحتمون بمخبأ تحت الأرض في مبنى من خمسة طوابق، وإذا بغارة جوية للتحالف تدمره عن آخره في 25 سبتمبر/أيلول 2017، فتقتل 32 مدنياً على الأقل، من بينهم أربعة رجال، وثماني نساء، و20 طفلاً؛ كان همهم الوحيد هو الحفاظ على أرواحهم.
LAUNCH 360 EXPERIENCE
الزعم: حماية المدنيين
"نحن أناس أخيار... نحرص كل الحرص على الالتزام بما تمليه الضرورة العسكرية، ونجازف كثيراً من أجل تجنب الخسائر البشرية مهما كان الثمن".
وزير الدفاع السابق الجنرال جيمس ماتيس
الواقع: ضربات عشوائية
إطلاق وابل تلو الآخر من قذائف المدفعية على الأحياء السكنية بدون تمييز هو قصف عشوائي.
"على مدى خمسة أشهر، أطلقوا 30 ألف قذيفة مدفعية على أهداف تنظيم "الدولة الإسلامية" ... إن ما أطلقوه من قذائف المدفعية في الرقة خلال خمسة أشهر يفوق ما أطلقته أي كتيبة مدفعية أخرى تابعة لمشاة البحرية منذ حرب فيتنام."
الرقيب الأول جون واين تروكسيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2017
فقدت فاطمة، وهي في التاسعة من عمرها فقط، أمها وشقيقاتها الثلاث الأصغر منها سناً في 10 يونيو/حزيران 2017، عندما أصابت قذيفة مدفعية منزلها في حي الدرعية؛ كما فقدت إحدى ساقيها من جراء الهجوم، وأصيبت الأخرى بجروح بالغة. وفي ذلك اليوم وحده، أدى القصف، الذي شنته القوات الأمريكية على بعد نحو 16 كيلومتراً شمال شرقي المدينة، إلى مقتل ما لا يقل عن 16 شخصاً في نفس الشارع الذي تعيش فيه أسرة فاطمة.
ليس كل شيء جائزاً حتى في الحرب

شنت قوات التحالف هجمات من شأنها أن تلحق أضراراً بالغة بالمدنيين، ولم تميز في هذه الهجمات بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

مثل هذا السلوك ينتهك مبدأي التمييز والتناسب اللذين يُعدَّان من المتطلبات الأساسية للقانون الدولي الإنساني؛ أي أن الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة هي جرائم حرب.

ينطوي القتال في المناطق الحضرية على بعض التحديات، وقد تفاقمت هذه في الرقة بسبب لجوء مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" لاستخدام الدروع البشرية، ولكن قوات التحالف كانت على بينة تامة من تلك الأساليب قبل بدء المعارك بفترة طويلة.

لم تأخذ قوات التحالف بعين الاعتبار أثناء هجومها تواجد المدنيين في كل حي من أحياء المدينة؛ ولو أنها قامت بالقدر الكافي من عمليات الرصد والاستطلاع قبل شن هجماتها، لكان بالإمكان تجنب إزهاق أرواح الكثير من المدنيين.

ما يمكنك أن تفعله
اعترفت قوات التحالف بمقتل 159 مدنياً في الرقة – وهو رقم لا يكاد يبلغ 10% من العدد الحقيقي، بدون إجراء تحقيقات أو مقابلات مع الناجين والشهود في الرقة.
يجب على التحالف تحمل المسؤولية عن مقتل هذا العدد الكبير من المدنيين في الرقة.

وتحث منظمة العفو الدولية ومنظمة " أيروورز Airwars “قوات التحالف على القيام بما يلي:

  • نشر جميع المعلومات ذات الصلةاللازمة للتحقيق في هجماتها الجوية والمدفعية.
  • إنشاء آلية مستقلة ومحايدة لتتولى التحقيق في جميع الأنباء المتعلقة بما لحق بالمدنيين من أضرار، بما فيها انتهاكات القانون الدولي الإنساني ونشر المعطيات على الملأ.
  • إنشاء صندوق لضمان تقديم تعويضات كاملة للضحايا وعائلاتهم، بما في ذلك التعويضات المالية.